تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٦ - مكاشفة
و يصل إليه همّته إلا ان الهمم متفاوتة حسب تفاوت الأحوال.
قال ابن عباس رضى اللّه عنه: «هذا النور يكون على الصراط». و قيل:
«في عرصة القيامة». و لا نور هنالك إلا نور الايمان و الطاعة و كل يعطى نورا على قدر علمه (علمه).
مكاشفة
هذا النور المشار إليه في هذه الآية هو نور المعرفة و اليقين، فإن النفس الإنسانية من عالم النور و المعرفة لكنها بسبب التعلق بعالم الأجسام الكثيفة صارت ظلمانية محجوبة عن الإدراكات، فإذا ارتاضت ذاتها بالرياضات الدينية و الأعمال الشرعية من الأفكار و الأذكار و العبادات، و خرجت من مرتبة القوى الهيولانية ٩٢ إلى مرتبة الفعلية حصل لها العقل المستفاد، و هو نور يستضيء و يضيء في المعاد، فصار نورا على نور ٩٣. و هذا النور العارض إنما يقذف في قلب المؤمن من عالم الملكوت بسبب اكتساب العقليات و اليقينيات الصرفة عند تصوره الخير الحقيقي، أو بسبب اكتساب الاعتقادات المحمودة ٩٤ و الظنون الحسنة عند تصوّره الخير المظنون.
فالأول نور عقلي يختص بالمقربين يسعى بين أيديهم و يصعد بهم إلى جوار اللّه و جنّات المعارف العقلية التي قيل في وصفها:
«ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر».
و النور الآخر نور يختصّ بغيرهم من السعداء يسعى بأيمانهم و يذهب بهم إلى جنات جسمانية منوّرة غاية ما يتصور فيها لهم و في حقهم من الصفاء و النورية و الضياء.
و إشراق نور كل أحد بقدر قوة معرفته و إيمانه، و لهذا
وقع في الأخبار: إن أنوار الأخيار و الأبرار مختلفة في الإضائة و الآثار.
قال قتادة: «إن المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن إلى صنعاء و دون ذلك، حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه».